شنطة سفر
لم يأخذ وقتا طويلا في تجهيز شنطته الصغيرة ربما لأنه لم يملك الكثير مما يملؤه بها فهو مازال شابا يافعا ولا يملك من الدنيا إلا الفتات... أو ربما يملك الكثير مما لاتستطيع شنطته الصغيرة أن تحمله أو ربما لايعرف هو بعد أنه يملك الكثير من الذكريات والأحلام التي رسمها هنا في تلك الغرفة الصغيرة والتي أصبحت تلك الذكريات لاتساوي شيئا في نظره ولكن تبقي نتيجة واحدة لكل مامضي وهو يعرفها جيدا هو انه قد قرر أن يرحل بلا عودة.....
نعم فهو لم يستطع أن يتحمل الفقر الذي ولد وعاش فيه ولا أن يتحمل أن يري نفسه ملقي في دائرة النسيان التي لاترحم تحمله ألسنة الشفقة من كل من حوله... قد كان قرارا بسيطا جدا في نظره حتي أنه لم يكلفه سوي بيع أرض أبيه التي يحتمي بها من غدر الزمن وماقيمة كل ماباعه في مقابل ماينتظره من عيش وفير في بلاد الأحلام البعيدة والتي حرم منها في بلده الغريب.................
قد قطع عهدا أن لايجعل العواطف تدخل الي قلبه فهو لم يعد صغيرا لكي يتاثر ببكاء أمه المكلومة ولا بنظره عين أبيه الذي يريد أن يبقي ابنه الوحيد في وطنه كريما بلا عمل أفضل من عامل بلا كرامه...كل تلك العواطف في نظره ضعف لن يجعل شبحه يتملكه ويهزمه فهو رأي كثير من الضعف والذل في بلده وقطع عهدا أنه لن يراه مجددا..وغادر دون أن يلتفت للوراء فقط حمل شنطته الصغيرة .........ورحل
ليس هناك مايجبرني أن أكمل تلك القصة فأنا لست سيناريست مشهور وسأكتب فيلما سينيمائيا جديدا لأنافس به في سباق العيد الممل ولست من موظفي الهيئات الاجتماعية لأقدم تقريرا عن هجرة الشباب للخارج وأسبابها والحل وخلافه من تلك التقارير البالية.......ولن أخفي عليكم قسوة قلبي حين أقول أنني لست مهمتا بمصير ذلك الشاب أصلا وما سوف سيؤل إليه مصيره ولكني أكتب تلك الكلمات وفي مخيلتي سؤال واحد فقط.....
كيف أضمن لنفسي ألا يأتي يوم أصبح فيه لأجد نفسي هذا الشاب الهارب ؟
لايخرج كل منكم قلمه ليكتب عبارات رنانة وجمل منمقة عن حبنا لبلدنا وكيف ننساها وكيف نهجرها والإرادة والكرامة وغيرها من أناشيد توارثتها أجيالنا جيلا بعد جيل وبكل أمانة أقولها لقد سئمت كل هذا.......
سئمت الخوف من مواجهة نفسي بعيوبي سئمت الفقر سئمت الظلم سئمت ضياع حقي أن أعيش كانسان في بلدي سئمت الذل سئمت المحسوبية سئمت الغش سئمت نفسي لأني أخاف أن أنطق بذلك سئمت كل ذلك....
ولكن رغم كل ذلك لم ولن أفكر يوما أن أرحل فأنا سأبقي دوما لأغير كل ذلك بقلمي وبعقلي وبفكري لن أستسلم أبدا وأهرب عندما أري نظاما يتداعي أو بلدي تنهار فأنا باق فيها حتي تحين ساعتي وتُقام صلواتي............
وانحدرت دمعة سريعة لتبلل طرف تلك الورقة القديمة التي كتبها ذلك الشاب المثقف الصغير ضمن كتاباته الكثيرة , وكانت تلك دمعة أمه وهي تحتضن الرساله بشدة وتضمها لصدرها كأنها تستحضر بها رائحة وعطر ولدها وتنظر نظرة طويلة حزينة لشنطة سفر بالية مر علي استعمالها سنوات وتتذكر ولدها الذي قرر يوما أن يرحل دون حتي أن يأخذ معه شنطة سفر فقط قرر أن يرحل بلا عودة........
فقد أتي يومه دون أن يقول حتي كلمة وداع
فمتي تحين ساعتنا ؟؟؟؟؟؟؟
نُــــــشر في مجلة
رؤية مصرية
بتاريخ 5/9/2009





